مولي محمد صالح المازندراني

58

شرح أصول الكافي

( ما في طلب العلم ) من الشرف والكمال والمنافع والحياة الأبدية للنفس الناطقة بعد رقودها في مهد الطبيعة البشرية وركودها في مرقد القوى الإنسانية وصدودها عن مشاهدة ما عند الحضرة الربوبيّة ، وفي هذا الإبهام تنبيه على عظمة قدر تلك المنافع وعلوّ منزلة هذه الحياة بحيث لا يبلغ إليها إلاّ الوالهون في مقام التوحيد والسالكون في منهاج التجريد الذين حياة قلوبهم بأقوات المعارف والحقائق ، وغاية مأمولهم الاستضاءة بأنوار اللطائف والدقائق وابتهاج أذهانهم بكشف الأسرار الربوبيّة واستنتاج أفكارهم بمشاهدة الأنوار الملكوتية ، وهم الذين قد قطعوا منازل الطلب ووصلوا إلى المطلوب ، وأمّا غيرهم وهم الأكثرون عدداً فمنهم لا يعرفون العلم وفوائده أصلاً ولا يجدون إلى منافعه دليلاً اُولئك كالأنعام بل هم أضلّ سبيلاً ، ومنهم لا يعرفون منه إلاّ الرسم ولا يفهمون منه إلاّ الاسم ولا يتصوّرونه إلاّ أنّ طلبه يوجب الخروج من حضيض الجهالة والضلال إلى أوج السعادة والكمال ، ومن حدّ السمات البشرية إلى الاتّصاف بالصفات الملكية ومن المنازل الجسمانية إلى المقامات الروحانية ، ولا يعرفون كنه حقيقة تلك الحالات ولا يجدون في نفوسهم حلاوة تلك اللذّات وإنّما ينطقون باسمها ويغفلون عن حقيقتها ووصفها وذلك مبلغهم من العلم ، وكم من فرق بين تصوّر اسم الكمالات وبين معرفتها بالوصول إليها كما هي والإحاطة بها ، كما يظهر ذلك بالفرق بين تصوّر اسم الجنة مثلاً وبين معرفتها كما هي ، ومعرفة نسيمها وكثرة نعيمها بعين المشاهدة ، فإنّ من حصل له هذه المعرفة يرى بدنه في هذه الدار وروحه في دار القرار وليس له همّ إلاّ الوصول إليها بخلاف من حصل له ذلك التصوّر فإنّه كثيراً ما يشتغل بزهرات الدنيا ومتمنّيات النفس عن طلبها كما هو المشاهد من الأشرار ولو يعلم هؤلاء بعين البصيرة ما في طلب العلم : ( لطلبوه ولو بسفك المهج ) السفك الإراقة ، والمهج جمع المهجة ، وهي بضمّ الميم وسكون الهاء الدم مطلقاً ، أو دم القلب خاصّة ، ويطلق على الروح أيضاً يقال : خرجت مهجته إذا خرجت روحه ، ولعلّ الوجه فيه أنّ الروح الحيواني تابع للدم ( 1 ) لتكوّنه منه ، فخروج الدم مستلزم لخروجه

--> 1 - الروح الحيواني في اصطلاح الأطباء بخار لطيف له مزاج خاص يستعذبه البدن لقبول النفس ، وهو يجري مع الدم في الشرايين كثيراً ، وفي الأوردة قليلاً ، والروح مطلقاً في اصطلاحهم ثلاثة : الروح الطبيعي ومنشؤه الكبد وفائدته إحياء القوى النباتية ، والدليل على وجوده أنّ انسداد مجاريه يورث موت تلك القوى كالغاذية والمولدة . والروح الحيواني منشؤه القلب ، وفائدته تحريك القلب والشرايين والرئة والتنفّس وإخراج الأبخرة الدخانية ، والدليل على وجوده توقّف هذه الأعمال بانسداد مجراه . والروح النفساني منشؤه الدماغ ويجري من الأعصاب إلى الأعضاء ، وفائدته إحياء قوى الحسّ والحركة ، وبانسداد مجراها يعرض الفالج والخدر ، وممّا يدلّ على وجوده أنّ الإنسان إذا دار على نفسها مراراً ثمّ سكن يحسّ بعد سكونه أنّ كلّ شيء يدور عليه مدّة ; لأنّ الروح في الدماغ يدور بعد سكون البدن بعد . ( ش )